حيدر حب الله
243
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
أخذت تبريراتها من أدلّة الكتاب والسنّة وغيرهما ، وقد لا يدخل دائرة النظرية لكنه يبقى حاضرا في الوعي دوما ، كنظريّة قداسة العلماء المتقدّمين ، ففي الوقت الذي نسخر فيه نحن الشيعة مثلا من نظريّة عدالة الصحابة ومن تقديس القاتل والمقتول ، وندعوا إلى واقعية في فهم التاريخ والرجال ، ونحن على حقّ في ذلك ، ترانا نمارس الأمر نفسه أحيانا في تعاطينا مع رجالات تراثنا غير المعصومين منهم ، فإذا ما حاول أحدنا نقد شخصية عظيم من عظمائنا في دائرة السلوك العام قامت عليه الدنيا ولم تقعد ، فهل يجرؤ أحد مثلا أن يقول : إنّ ابن طاوس ( 664 ه ) قد ارتكب خطأ تاريخيّا في تعاطفه مع المغول وقطعيته مع الدولة العباسية ؟ وهل يمكن القول : إنّ هذا الفقيه أو ذاك كان صاحب أفق ضيق في وعي الواقع السياسي كما توحيه بعض القراءات لشخصية السيد محمّد كاظم اليزدي ( 1337 ه ) ؟ إنّ الموقف التبجيلي من التراث والسلف هو الإطار المعرفي الذي يشتمل داخله عادة التيارات السلفية والنصيّة ، وهذا ما حصل بالضبط مع التيار الأخباري ، إنّ اعتبار رجال الحديث والرواة المتقدّمين مصفاة سليمة من جميع العيوب هو نتاج هذا الإطار المعرفي ، وإلّا فلو أعدنا تكوين الإطار بشكل نقدي لربما ظهرت أمامنا صور مختلفة تعدم هذا اليقين وتبدّده ، وتذره عرضة لعصف الرياح . إنّ حشد التأثيرات العاطفية في تكوين هذا الإطار أمر أساسي جدا ، فإنّ الإطارات السلفية عادة ما تقوم - فيما تقوم عليه - على حشد من هذا النوع ، يؤدي في تقديري إلى حالة استلاب مبرمج ، تمنع العقل حتّى عن التجرؤ - وهو مختل بذاته - على ممارسة نقد أو مطالعة ظاهرة بحرّية عالية . من هنا ، أعتقد بأن وضع الأمين الأسترآبادي - وغيره من رادة الأخباريين - هذا الدليل على رأس قائمة الأدلّة لم يكن صدفة ، بل انطلق من الخلفية المعرفية - النفسيّة التي سيّرت العقل الأخباري ، وسيلاحظ القارئ أنّ أغلب الأدلّة الأخبارية قائم في عمقه على هذا الإطار المعرفي ، أي على اعتبار السلف معيارا غير قابل للنقد في إطار أو آخر ، والإطار الحالي هنا هو إطار تصحيح الأحاديث ، واعتبار تجربة السلف في تصفيتها وتقويمها تجربة رائعة ، بحيث لا ينقدح بعد اليوم في ذهن أحد القول بأنّ تجربة السلف في رعاية أمر الحديث كانت فاشلة أو منقوصة ، وأنّه كان بالإمكان أن تتخذ سياسة أخرى أنجح في ضبط الحديث والتعامل معه . من هنا ، يبدو العقل الأصولي أكثر تحرّرا في قراءة تجربة الماضين ، كما سنشاهده بوضوح مع الوحيد البهبهاني ومن جاء بعده .